ولقد حاولت قريش أن تفتن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحق المبين الذى أنزله الله عليه ، وتحيد به عن الصراط المستقيم الذى هداه الله إليه ، تارة بالإغراء الذى ما عليه من مزيد ، وطوراً بالوعيد والتهديد ، وآونة بالملاطفة والملاينة ، وأخرى بالمساومة والمخادعة ، وهو صلى الله عليه وسلم لا يستجيب لدعائهم ولا يستمع لندائهم ، وهو فى ذلك كله بعين مولاه يسدده ويرشده ، ويكلؤه ويرعاه ، ويحذره مزالق فتنتهم ، ويكشف له عن خبيئة خدعتهم .
وكان من أشدهم على النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك الوليد بن المغيرة وأبو جهل اللذان وقفا للدعوة الهادية بكل طريق ، اعتزازاً بمكانتهما من قومهما ، واعتماداً على ما منحهما الله من مال وبنين ، فوقف القرآن الكريم منهما أحزم المواقف ، وصب عليهما من جحيم التبكيت والتوبيخ والنقص آخر القذائف ، حتى هد كيانهما وهدم بنيانهم ، وتركها كأمس الدابر .
وقف الوليد بن المغيرة يحلف لقومه بالباطل مكذباً محمد صلى الله عليه وسلم ، ومتوعداً إياه تارة ، ويحلف لمحمد صلى الله عليه وسلم ويعده ويمنيه تارة أخرى ، ويهمز الدعوة والداعية بالقول الخبيث واللفظ الجارح ويمشى بالنميمة بين المؤمنين والكافرين على السواء ، ويتوعد أبناءه وأقرباءه بالحرمان من خيره وبره وماله ورفده إن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ويعتدى بذلك على حرياتهم ، ويأثم أشد الإثم بمحاربة دعوة الحق فى جفوة وغلظة ، ومفاخراً بجاهه ، مدللاً بماله ، معتمداً على معشره وقبيله ، وما زال كذلك حتى دمغه القرآن بهذه القوارع : " ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * سنسمه على الخرطوم " ( القلم : 10 – 16 ) .
فعرف الناس من وضيع أخلاقه ما كانوا يجهلون ، ووقفوا من حقيقة نسبه على ما لم يكونوا يحتسبون ، وانتكس الرأس العالى بالباطل أمام صولة الحق ، واستخذى الجبروت الظالم أمام قولة الصدق " والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ( يوسف : 21 ) .
ولقى أبوجهل ذات يوم النبى صلى الله عليه وسلم وهو يصلى بالحجر والدعوة إذ ذاك لا تزال ناشئة حديثة عهد بظهور وإعلان ، وأبو جهل حينذاك علم من أعلام الجاهلية الطاغية حتى أطلقوا عليه سيد أهل الوادى ، فنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فى قسوة وغلظة ، فزجره النبى صلى الله عليه وسلم زجراً شديداً ، وانتهره فى قوة المؤمن بحقه ، الواثق بنصر الله إياه ، فدهش أبو جهل ، وقال : تنهرنى يا محمد ؟ فوالله لأملأن عليك هذا الوادى إن شئت خيلاً جرداً ورجالاً مرداً ، وإنك لتعلم ما بها ناد أكثر منى . فأجابه الحق تبارك وتعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآيات الزاجرات الرادعات : " أرأيت الذى ينهى * عبداً إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرأيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى * كلا لئن لم ينته لنسفعاً بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة * فليدع ناديه * سندع الزبانية * كلا لا تطعه واسجد واقترب " ( العلق : 9 : 19 ) ، فكانت فصل الخطاب .
يقول الإخوان المسلمون : أليس هذا أسلوب القرآن ؟ وهو أدب من أدبه ، وهدى من هديه ، على المؤمنين أن يعملوا به ، وأن يسيروا على نهجه ، ففيم التسامح والسكوت على من اعتز بناديه ، ولج فى الباطل ، وأوغل فيه ؟ ولم لا نحمل أنفسنا ونحملهم على هذه السنة القرآنية فنقذفهم بمثل هذه الزواجر الربانية ؟ .
ألا وإن الجواب عن مثل هذا القول : صبراً صبراً أيها الإخوان ، فما لمثل هذه المحبة الطائة أعددتم من قول أو عمل ، وإنا لنألم لهؤلاء أكثر مما نألم منهم ، وإن الله خير بين العقوبة والصبر ، وقرر أن فى الأخير الخير ، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ، وهو ألزم التقوى ، أنتم أحق بها وأهلها ، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور .
والمعركة بيننا وبين القوم وغيرهم لم يحن وقتها بعد ، وإنه لقريب ، ولن تكون معركة أشخاص ومختلقات ، ولكنها ستكون معركة أوضاع ودعوات ، ستكون معركة " المصحف " ، وسيكون الحكم فيها " كتاب الله " " اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " ( آل عمران : 200 ) .
============= جريدة الإخوان المسلمين اليومية - السنة الثانية - العدد 324 - ص1 - 3 رجب 1366 هـ |