وعاينت في صفحاته من مبادئ للإصلاح، ورؤى للنهوض ومناهج للتغيير، وشمول لجوانب الحياة، وتقرير للعدالة والحرية والمساواة، والواقعية والتوازن، ومكوناً لمشروع نهضوي فريد، يجمع في حكمة وبصيرة، بين الأصالة والمعاصرة والمرونة والتنوع، والتدرج في التطبيق والوسطية في الرؤى والمناهج، والشمول للهوية الإسلامية، والتوجه العالمي، بعيداً عن الخصوصيات العرقية والنظرات الإقليمية الضعيفة؛ لأن الشريعة الإسلامية بنصوصها ومقاصدها وقواعدها، بناء كلي، يضع الأسس العامة لحياة إنسانية رشيدة، من غير حرج ولا إصر، تستهدف بناء مجتمع العدل والإحسان في جميع الميادين الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفي إطار "جلب المصالح ودرء المفاسد" على أسس من ضوابط الشريعة وثوابتها.ورسالة أمتنا ربانية إنسانية، أخلاقية،
خلاصتها أمران:
1 الإيمان بالله وحده، فلا نبغي غير الله رباً ولا نتخذ غيره ولياً
.2 دعوة الناس إلى الخير والحق والمثل العليا عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
هذا وقد عرضت الجماعة رؤاها الشاملة والمختلفة لتوجهاتها الإصلاحية نعرض لها توجهاً إثر الآخر بما يسمح به هذا الباب:
أولاً: الرؤى والاجتهادات الدعوية والمواقف الإجرائية:
1 تدعو جماعة الإخوان المسلمين إلى الوسطية والاعتدال، وتبني منهج الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة إلى الله عز وجل.
2 تنظر جماعة الإخوان المسلمين إلى الحركات الإسلامية الأخرى والعاملين للإسلام نظرة احترام وتقدير وتناصح في الدين، وجدال بالتي هي أحسن، وتعاون على البر والتقوى، كما قال الإمام حسن البنا في قاعدته الذهبية: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه"، وهي إن اختلفت معهم في جانب أو تصور اتفقت معهم في جوانب وتصورات.
3 تتعامل جماعة الإخوان المسلمين مع الحركات والأحزاب غير الإسلامية من منظور القواسم المشتركة في سبيل مصلحة الأمة والوطن، وهي تؤمن بالحوار الفكري السياسي، والتفاعل الضروري بين كل عناصر الأمة وفئاتها، وتجتهد لتكون عنصر تقريب وتوحيد لا عنصر تباعد وتفريق، وتشجع كل اجتهاد ثقافي أو اجتماعي أو سياسي لا يتعارض مع قواطع شرع الله، وتتفاعل معه.
4 تؤمن الجماعة بتغير الحلول مع تغير الظروف والمعطيات، وترى الإسلام ديناً تتفاعل نصوصه مع واقع الحياة ويقدم لها الحلول في إطار مقاصد الشريعة العامة، وهي لا تغفل في مسيرتها فقه الأولويات ووضع كل هدف في مرتبته، وكذلك فقه الموازنات الذي تغلب فيه المصالح على المفاسد من خلال الواقع المعاش، وكذلك الموازنة بين المصالح بعضها وبعض، وبين المفاسد بعضها وبعض، في ضوء معايير سليمة ومعتبرة.
5 تفرق الجماعة في التعامل بين العقيدة والعبادة والشريعة، فالعقيدة والعبادة تؤخذان جملة واحدة، أما الشريعة فالأصل في إبلاغها للناس وتطبيقها في واقع الحياة.. التدرج، وكما أن عُرى الإسلام تنقض عروة عروة أي تدريجياً فإن العودة إليها يجب أن تكون كذلك، فنقل الناس إلى الانضواء من جديد تحت لواء الإسلام في تنظيمه الشامل لحياة الناس يقتضي التدرج في التطبيق، ولا يُقال هنا إن التدرج قد أغلق بانقطاع الوحي وإكمال الدين، فليس الأمر تدرجاً في التشريع وإنما هو تدرج في التطبيق، وبغيره تفوت المصالح، ويقع الحرج، ويُعرض الناس جملة عن الشريعة.
6 تحرص الجماعة على الاستفادة من تجارب الآخرين، فالحكمة ضالة المؤمن، وهي ليست حكراً على أمة دون أمة ولا على جيل دون جيل، ولو كانت كذلك ما دعا الحق سبحانه وتعالى المؤمنين إلى أن يسيروا في الأرض وأن ينظروا.كما تحرص الجماعة على وضع حد لما هو شائع بين بعض دعاة الإسلام من استخفاف بتجارب الأمم والشعوب في مجال النظم السياسية والاقتصادية، بدعوى أن المسلم لا يحتاج إليها، أو أن الله سبحانه وتعالى لم يفرط في الكتاب من شيء، وترى أنه لا يجوز الرفض المطلق ولا القبول المطلق لأي مذهب أو نظرية من نظريات الإصلاح السياسي والاقتصادي أو الاجتماعي، لأن الأمر مرهون بمصالح الأمة المنضبطة بميزان الشرع، وقد اقتبس عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أنظمة الدول الكبرى المعاصرة له، ولم يجد من الدين ما يمنعه من ذلك.
7 يرى الإخوان أن المواطنة أو الجنسية التي تمنحها الدولة لرعاياها قد حلت محل مفهوم (أهل الذمة)، وأن هذه المواطنة أساسها المشاركة الكاملة والمساواة التامة في الحقوق والواجبات، مع بقاء مسألة الأحوال الشخصية من (زواج وطلاق ومواريث...) طبقاً لعقيدة كل مواطن.وبمقتضى هذه المواطنة وحتى لا يُحرم المجتمع من قدرات وكفاءات أفراده يرى الإخوان أن للمواطن غير المسلم الحق في أن يتولى باستثناء منصب رئيس الدولة كافة المناصب الأخرى من مستشارين ومديرين ووزراء.
وعلى التفصيل... فموقف الإخوان من الإخوة المسيحيين في العالم الإسلامي موقف واضح وقديم ومعروف... لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وهم شركاء في الوطن، وإخوة في الكفاح الوطني الطويل، لهم كل حقوق المواطن، المادي منها والمعنوي، المدني منها والسياسي، والبر بهم والتعاون معهم على الخير فرائض إسلامية لا يملك المسلم أن يستخف بها أو يتهاون في أخذ نفسه بأحكامها.ولأن نصوص القرآن والسنة الشريفة تأمر المسلمين بأنه: لا إكراه في الدين (البقرة:256)، وبتأمين غير المسلمين أصحاب الكتب السماوية السابقة على دين الإسلام، خاصة اليهود والنصارى الذين يعيشون مواطنين في الدولة الإسلامية، كما أن هذه النصوص تكفل لغير المسلمين فضلاً عن حرية الاعتقاد، حرية الرأي، وترفض إجبارهم على التعامل بمقتضى أحكام الشريعة الإسلامية، وتتركهم يتعاملون طبقاً لأحكام الشرائع التي يدينون بها، فهم يتزوجون طبقاً لها زواجاً معترفاً به لدى الدولة المسلمة، ولدى المجتمع المسلم، تثبت به الأنساب التي يستحق بها الميراث، كما لا يلزمهم ما يلزم المسلم من المحرمات في المأكل والمشرب، ما دامت غير محرمة عليهم في دينهم. هذا..
وسنواصل عرض الرؤى المختلفة للجماعة، إن شاء الله، نسأل الله التوفيق والسداد، آمين آمين |